رموز وشخصيات “١٤” خفيف الظل جميل الروح

بقلم/ إنجي الجزايرلي

 

 

شخصيتنا اليوم شخصية “خفيفة الدم جميلة الروح”شخصيتنا هي؛(مطربٌ وملحنٌ ومنتجٌ وممثلٌ مصري) من أشهرِ المطربين والملحنين المصريين في القرن العشرين. لحّن لأشهرِ مطربي زمنه، وتركَ بصمته الخاصة في الأغنيةِ العربيةِ، مثّلَ في العديدِ من المسرحيات التي كانت سببًا في انطلاقته، كما دخلَ عالمَ الإنتاجِ الموسيقي وحقق نجاحًا باهرًا.وكتب ولحّن لكبار فناني مصر وقتها أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم

شخصيتنا هي الفنان الرائع والمبدع والمجدد “محمد فوزي عبدالعال حبس الحو ” المعروف ب “محمد فوزي”

وُلد في ٢٨ أغسطس ١٩١٨م في قرية كفر أبو جندي التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية. ترتيبه ال٢١من اصل ٢٥ابنًا لوالديه،له أختان عملتا بالفن أخته هند علام والفنانة المشهورة هدى سلطان.

تخرج من المدرسة الإبتدائية في طنطا عام ١٩١٣م وبدأت حينها ميوله للموسيقى والغناء، حيث تعلم أصول الموسيقى من رجل الإطفاء (محمد الخربتلي) وهو من أصدقاء والده وكان يصحبه للغناء في الموالد والليالي والأفراح.

تأثر بأغاني محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وصار يغني أغانيهما على الناس في حديقة المنتزه، وفي احتفالات المدينة بمولد السيد البدوي. التحق بعد نيله الشهادة الإعدادية بمعهد فؤاد الأول الموسيقي في القاهرة، وبعد عامين على ذلك تخلى عن الدراسة ليعمل في ملهى الشقيقتين رتيبة وإنصاف رشدي، اتجه بعد ذلك للعمل في الملهى الليلي لبديعة مصابني طمعًا بالأجر العالي،وعندما عمل في ملهى مصابني لمدة ست سنوات، علمت بوجود علاقةٍ غراميةٍ بينه وبين إحدى راقصات الفرقة وتدعى لولا، فقامت بطردها إلاّ أنّ فوزي قدم استقالته وفاءً لحبيبته.

تعرف على فريد الأطرش، ومحمد عبد المطلب، ومحمود الشريف، وارتبط بصداقة متينة معهم، واشترك معهم في تلحين الاسكتشات والاستعراضات وغنائها فساعدته فيما بعد في أعماله السينمائية. تقدم وهو في العشرين من عمره، إلى امتحان الإذاعة كمطرب وملحن أسوة بفريد الأطرش الذي سبقه إلى ذلك بعامين، فرسب مطرباً ونجح ملحناً مثل محمود الشريف الذي سبقه إلى النجاح ملحناً.

وبرغم ان الإذاعة المصرية رفضته مرارًا كمطربًا، لكنها ظلتُْ تبثّ أغانيه السينمائية حتى ثورة ١٩٥٢، إذ دخلها بأغانيه الوطنية (بلدي أحببتك يا بلدي)، وأغاني الأطفال (ماما زمنها جايه)، و(ذهب الليل)، واغاني المناسبات هاتوا الفوانيس يا ولاد إضافةً إلى الأغنية الدينية (يا تواب يا غفور).

عرضت عليه الممثلة فاطمة رشدي العمل في فرقتها إيمانًا منها بموهبته، كان الغناء في دمه وهدف له ممّا دفعه لإعادة إحياء أعمال سيد درويش مع الفرقة المسرحية المصرية ولعب دور المغني في مسرحية شهرزاد لسيد درويش، إلاّ أنّه لم يحقق نجاحًا في العرض الأول.

تزوج محمد فوزي عام ١٩٤٣ من زوجته الأولى السيدة هداية وأنجب منها ثلاثة صبية هم مهندس نبيل١٩٤٤ ومهندس سمير١٩٤٦ ودكتور منير١٩٤٨.

انفصل عنها عام ١٩٥٢، وبنفس العام تزوج بالفنانة مديحة يسريولقد قدما معا اجمل الافلام وأنجب منها ابنهما الراحل عمرو الذي تعرض لحادث أليم جعلها تعتزل العالم، حتى بعد 10 سنوات – عاشا أصدقاء، حتى بعد الانفصال ١٩٥٩عام فقدما معا، “بنات حواء – قبلة في لبنان- فاطمة وماريكا وراشيل -آه من الرجالة ومات لهم ابنان ايضا

أما زواجه الثالث فكان عام ١٩٦٠ من السيدة كريمة وأنجب منها ابنته إيمان١٩٦١ وظلت معه حتى موته.

 

عام ١٩٥٨ أسس فوزي شركة “مصر فون”لإنتاج الأسطوانات الموسيقية وهي شركة صوت القاهرة للصوتيات الآن، حيث كانت لها الفضل الكبير في نشر الأغنية المصرية فلقد نافس مصنع فوزي للأسطوانات الشركات الأجنبية الكبرى في مصر.

ولقد أنتج فيها أغاني لكبار الفنانين أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وغيرهما.

وفي فيلم “معجزة السماء” قدم أغنية “طمني” بأسلوبٍ جديد، فقد اكتفى فيها بصوتٍ خلفي للكورال دون صوت الآلات الموسيقية، سمي هذا اللون أركابيلا ليحقق إنجازًا غير مسبوق.

وكان أول من قدم أغنية فرانكو آرب “يا مصطفى يا مصطفى” وقد أداها شقيق الفنانة داليدا وبوب عزام عام ١٩٦١، كما تُرجمت إلى لعديد من اللغات.

ولقد نهض بالموسيقى و بالآلات الموسيقية حتى تساير الأعمال العالمية فقد أدخل آلات واستغني عن غيرها ما جعله يعتبر من أوائل المطربين والملحنين الذين أثروا العمل الغنائي.

له ٤٠٠أغنية، شارك بحوالي ٣٠٠ منها في الأفلام مثل “حبيبي و عينيه” و”مال القمر ماله” وغيرها.

**من اهم اعماله في السينما**

١٩٤٤سيف الجلاد/١٩٤٥قبلة في لبنان/١٩٤٦أصحاب السعادة

ومجد ودموع/١٩٤٧قبلنى ياأبى

/عروسة البحر/صباح الخير/العقل في اجازة/١٩٤٨صاحبة العمارة/حب وجنون

/نـرجــس/ الروح والجسد/بنت حظ/١٩٤٩المرأة شيطان /المجنونة/

فاطمة وماريكا وراشيل

/صاحبة الملاليم/١٩٥٠بنت باريز/

آه من الرجالة/غرام راقصة/الزوجة السابعة/الأنسة مام١٩٥١/الحب في خطر/نهاية قصة/ورد الغرام/١٩٥٢من أين لك هذا/يا حلاوة الحب/١٩٥٣ابن للايجار/فاعل خير/١٩٥٤دايما معاك/

بنات حواء /١٩٥٥ثورةالمدينة/١٩٥٦معجزة السماء/١٩٥٩ليلى بنت الشاطئ/

كل دقة في قلبي وغيرهم

خلال مشواره السينمائي الذي تجاوز الثلاثين فيلما تقاسم محمد فوزي البطولة فيهم أمام نجمات عصره، ومنهم صباح، وشادية، وفاتن حمامه وغيرهن.

ثم طلبه الممثل يوسف وهبي ليشارك في فيلم سيف الجلاد عام ١٩٤٤،

شاهد المخرج محمد كريم فيلم «سيف الجلاد»، وكان يبحث عن وجه جديد ليسند إليه دور البطولة في فيلم « أصحاب السعادة» أمام سليمان نجيب والمطربة رجاء عبده، فوجد ضالته في محمد فوزي، واشترط عليه أن يجري جراحة تجميلية لشفته العليا المفلطحة قليلاً، فخضع لطلبه، واكتشف بعدئذٍ أن محمد كريم كان على حق في هذا الأمر. وكان نجاحه في فيلم «أصحاب السعادة» كبيراً غير متوقع، وساعده هذا النجاح على تأسيس شركته السينمائية التي حملت اسم أفلام محمد فوزي في عام ١٩٤٧.فلقد استطاع محمد فوزي من خلال أغنيتين للأطفال أن يكتب الخلود لنفسه بعد الرحيل فقد كانت ولا تزال أغنيته، ” ماما زمانها جاية “، الأكثر انتشارا بين الأطفال، خاصة فى فترة الستينات، وتعتبر أول الأغانى المصورة فى التليفزيون المصرى، غناها ولحنها الفنان محمد فوزى عام١٩٦٥، كما نالت أغنية ” ذهب الليل وطلع الفجر” نفس الشهرة، كذلك اشترك مع مديحة يسري، عماد حمدي، شادية، فريد شوقي و هدى سلطان في رحلات قطار الرحمة التي أمرت بتسييره الثورة عام ١٩٥٣ بين مديريات الوجه البحري والآخر القبلي، وقدَّم جانباً من فنه مع الفنانين الآخرين لمواساة المرضى في المستشفيات، وفي مراكز الرعاية الاجتماعية.

(موقف طريف وراقي لمحمدفوزي مع ام كلثوم وبليغ حمدي):

هو أول من قدم الموسيقار الراحل بليغ حمدي لكوكب الشرق أم كلثوم, فكان سماع فوزي مقطعاً فقط من أغنية «حب إيه»، كفيل أن يدفعه لاصطحاب الملحن الشاب حينها معه لأم كلثوم لتستمع له الأخيرة.

وكان اللقاء الأول بين بليغ وكوكب الشرق كان في حفلة في منزل الدكتور زكي سويدان أحد الأطباء المعالجين لأم كلثوم، وهناك اعتذر فوزي لأم كلثوم عن تلحين الأغنية مقدماً لها بليغ، قائلاً: « عندي ليكي حتة ملحن يجنن مصر حتغني ألحانه أكتر من ٦٠ سنه قدام».

و بدأ بليغ في تلحين الكوبلية الأول من الأغنية، ليشاء القدر وتغني أم كلثوم أغنية «حب إيه» في ديسمبر ١٩٦٠ وتحقق نجاحا ساحقاً، مثلت بداية تلميذ فوزي مع سيدة الغناء العربي.

تعاون فوزي مع أم كلثوم كان لا يزال أمنية لم تتحقق له بعد، حتى أنه بعدما اتفقا على أن يلحن لها محمد فوزي أغنية «أنساك»، سبقه تلميذه بالصدفة ولحنها أيضاً، لتكون ثاني تعاون بين بليغ حمدي وأم كلثوم على حساب أمنية فوزي.

ففي زيارة لبليغ لأستاذه ومعلمه «محمد فوزي، قام الأخير لمقابله أحد الضيوف، وترك بليغ يقرأ كلمات أغنية «أنساك» التي أعجبت بليغ تمامًا، وأخذ العود وبدأ يدندن، ولما عاد فوزي كان بليغ أنتهي من تلحين الأغنية، واعتذر بليغ لفوزي عن تلحينه للأغنية.

الموسيقار الكبير محمد فوزي لم يغضب من تلميذه أو يرفع عليه قضية مثلما يحدث حالياً، وإنما اتصل بصدر رحب بكوكب الشرق قائلاً لها: «بليغ قام بتلحين الأغنية أفضل مني»، وتنازل لبليغ عن اللحن، وبذلك رحل فوزي دون تحقيق أمنيته في التلحين لسيدة الغناء العربي وهذا ليس جديد عليه فهو انسان فنان محب للفن باصله الطيب وابداعه ورقيه

ولقد قدم بليغ لأم كلثوم ١١ لحناً من أروع ما تغنت به كوكب الشرق  وهم؛ «حب إيه – ١٩٦٩ ألف ليله وليله – ١٩٦١- أنساك يا سلام – ١٩٦٢ -أنا وأنت ظلمنا الحب –١٩٦٣ كل ليله وكل يوم- وبعيد عنك ١٩٦٤ وسيرة الحب ١٩٧١ -الحب كله -١٩٦٧ فات الميعاد و أنا فدائيون – ١٩٧٣ حكم علينا الهوى».

 

**مواقف لمحمد فوزي لاتنسى**

*اتهموه في إسرائيل بمعاداة السامية ، وعاقبته ثورة يوليو بالتأميم…!

فقدقال فوزي لا لكل شىء في حياته…

قال لا لاسرته غادرها للقاهرة قال لا للتبعيه وانشأ شركته قال لا لبديعه احتجاحا لطرد زميلته تعسفا

قال لا للجمود الفني، فكان أول مَن أنتج فيلمًا ملوَّنًا في تاريخ السينما المصرية في ١٩٥٠، وخسر في فيلمين متتاليين ثلث مُدَّخراته ،وتزامن ذلك مع تلحينه النشيد الوطني للجزائر المُحتلَّة قبلها بعدة أشْهُر، وهو النشيد المُستمر إلى اليوم، كواحد من أجمل الأناشيد الوطنية تلحينًا على ظهر الكوكب  قسما الذي نظمه شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياوالحان الرائع دوما محمد فوزي!

نعود فنتوقف أمام موقف إسرائيل منه، ثم الأهم وهو موقف ثورة يوليو منه!

في ١٩٤٩ أنتجت شركته فيلمًا من بطولته بعنوان “فاطمة وماريكا وراشيل”. أظهر الفيلم أسرة راشيل اليهودية بمظهر البخل والجشع ، وسخر من سلوكيات اليهود… انقلبت الدنيا في إسرائيل الوليدة، واتهموه بمُعاداة السامية، والتطرُّف ضد اليهود ، رغم أن قصة الفيلم مستوحاة من المسرحية الفرنسية الشهيرة زواج فيجارو للأديب بومارشيه في ١٧٨٤ ، وسبقه موتسارت شخصيًّا بتحويلها إلى أوبرا في ١٧٨٦!

ولما قامت ثورة يوليو ١٩٥٢، كان محمد فوزي هو أهم مطرب سينمائي، ويقدِّم ألحانه لعدد كبير من مشاهير المطربين والمطربات… لم يكن فوزي مُناهضًا للثورة أو للجيش، لكنه لم يكن مُطبِّلاً أو منافقًا أو مُشاركًا في حفلات الثورة السنوية…

وعندما قرر أن يحارب الاحتكار الأجنبي لسوق الأسطوانات الفنية، وأسَّس شركة باسم مصر، كما كان يفعل من قبله طلعت حرب، كانت ضربة قاسية للمُحتكرين الأجانب في مصر، لأسباب ثلاثة.

أولاً: كانت شركته تصنِّع أسطوانة محلية رخيصة السعر بنصف سعر الأسطوانة المستوردة.كان سعرها ٣٩قرشا في حين الاخرى٩٠قرشا

ثانيًا: كانت أسطوانة فوزي غير قابلة للكسر، ويمكن استخدامها على الوجهين، فتتسع لأغنيتين ، بينما كانت المستوردة لا تستوعب سوى أغنية واحدة، وقابلة للكسر! ثالثًا: لم تقتصر الفائدة على الدولة التي وفّرت العملة الصعبة، وعلى المواطن الذي اشترى سلعة أرخص، بل كذلك امتدت المنفعة إلى الفنانين، حيث نسف محمد فوزي النظام الأجنبي المُسيطر القاضي بمنح الفنان قيمة مُحدَّدة من المال مقابل حق استغلال أغانيه ، دون أن يستفيد من إيرادات المبيعات بأي شكل ، فوضع فوزي نظامًا جديدًا يُعرف بحق الأداء العلني للمطرب، وكانت القوانين قبله تخص المؤلف والملحن فقط في الحقوق.

وضع محمد فوزي في مشروعه الوطني كل مُدَّخرات عمره، وباع كل ما يملك من أراضٍ وعقارات. ومن فرط انبهار الجميع بما فعله، فقد افتتح مشروعه رئيس الوزراء د. عزيز صدقي شخصيًّا في ٣٠ يوليو ١٩٥٨، وأثنى على وطنيته وتوفيره النقد الأجنبي للأساسيات التي تحتاجها الدولة.

ولم يعبأ النظام العسكري بقيمة الفن الذي يقدِّمه الموسيقار محمد فوزي ، ولم يُقدَّر له شعوره الوطني، ورغبته في دعم بلده! أُمِّمَتْ مصر فون وتحوَّلت إلى شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات المعروفة حاليًا!

كان اليوم الذي صدر فيه قرار التأميم هو الأسوأ في حياة فوزي. فقد ركن سيارته أمام شركته، ولاحظ وجود كثيف للعساكر في محيطها. ولما ذهب إلى مكتبه ، وجد شخصًا يجلس على كرسيه ، ويضع قدميه في وجهه على المكتب ، ويعبث بيديه في أدراجه الخاصة ! ولما انتبه إلى وجود فوزي أمامه مشدوهًا ، أخبره بعجرفة واستهزاء أنه الضابط فلان الفلاني ، وأن الثورة قد أمَّمَتْ مصنع أسطواناته وإستوديو أغانيه. ثم نادى في غِلْظة على الساعي، وأمره أن يقود الأستاذ إلى مكتبه الجديد كموظَّف براتب في ملكه الضائع. وكان مكتبه الجديد في غرفة الساعي الخاص به بجوار دورة المياه!

يتوقف التاريخ هنا أمام هذا القرار البائس… ففي الوقت الذي صادر فيه النظام العسكري شركة مصر فون لمالكها محمد فوزي، لم يقترب من شركة صوت الفن لصاحبَيْها محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ!

نحن أمام شعبية طاغية للعندليب الأسمر ولموسيقار الأجيال ، ونحن أمام مُساهمات فنية سنوية لتعضيد مُلك ضباط ثورة يوليو ، سواء جاءت الأناشيد من باب النفاق ، أو من منطلق الإيمان بأهداف الثورة. النتيجة واحدة ! الثورة لن تقترب ممن يغني “عبد الناصر حبيبنا قايم بينَّا يخاطبنا ، نجاوبه ويجاوبنا ، قائد ومُجنَّدين”، ولن تتعسَّف مع مَن يغني “ردِّينا عليك يا جمال. وإيدينا في إيديك يا جمال. وطلعنا معاك يا جمال. نبني ويَّاك يا جمال. حيُّوا معايا قولوا معايا : عاش عبد الناصر عاش”!

ولقدنصح المُقرَّبون محمد فوزي أن يفعل مثلما يفعل الآخرون سواء كانوا يفعلوا ذاك ايمانا بهم باهداف الثورة أو تملقا ، فلعلَّه يسترد شركته وأمواله التي أممت دون غيره

وفعلا جاءته فرصة ذهبية عندما دُعِيَ للمشاركة في العيد السنوي للثورة في ١٩٦٣، فخرجت أم كلثوم تغني “يا جمال يا مثال الوطنية”، وظهر عبد الحليم يغني “بالأحضان” وبها مقطع يقول: “ياما شفتك ع البُعد عظيمة، يا بلادي يا حُرَّة يا كريمة. وزعيمك خلاَّكي زعيمة، في طريق الخير والعُمران”. ولما صعد محمد فوزي على المسرح وقف ينشد “بلدي أحببتك يا بلدي، حُبًّا في الله وللأبد”! ثم نزل دون إشارة أو إشادة بالقائد المُلْهَم!

فتبقى أغرب المفارقات في سيرة محمد فوزي أن الإذاعة المصرية لم تجد بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧ سوى أغنيته “بلدي أحببتك” لإذاعتها مرارًا وتكرارًا ، فصاروا يذيعونها بأمر الضابط المُشرف على الإذاعة كل نصف ساعة ، فلم يكن ممكنًا أن تُذاع أي أغنية وطنية أخرى ، حيث لم تخلُ معظم الأغاني من تمجيد شخص عبد الناصر.

عندما قامت الدولة بتأميم شركته “مصر فون” عام ١٩٦١وعينته مديرا لها بمرتب ١٠٠جنيه مما أصابه بالحزن والانكسار والفشل وكانت تلك من أكبر صدمات حياة محمد فوزي، مرض بعدها مرضًا حيّر الأطباء وهو مرضٍ أصاب خمسة أشخاص في العالم فقط، وهو مرض (تليف الغشاء البريتوني الخلفي أو سرطان العظام)وانخفض وزنه من ٧٧ك ل٤٠ك في غضون شهور قليلة!

ثم دخل حالة من الاكتئاب فسافر إلى لندن عام ١٩٦٥ ثم عاد إلى مصر، وسافر إلى ألمانيا دون أن يلقى تحسنًا في حالته الصحية

ولقد نفذت مدخراته القليلة على علاجه خلال عام واحد، بعد أن صودرت أمواله. وبدأ يعلو صوت بعض الشرفاء من الصحفيين والفنانين مُطالبين برعاية فوزي في مرضه القاسي، فصدر قرار جمهوري بعلاجه على نفقة الدولة، لكنه صدر بعد فوات الأوان فلقد وافته المنية وقد كتب فوزي رسالة قبل وفاته بساعات أوحى فيها بقرب نهايته وشكى من المرض الحاد الذي يتعرض له، وآلامه التي تتزايد من حين لآخر، وحالته السيئة التي فقد فيها وزنه بشكل مؤلم، قائلا: “منذ أكثر من سنة تقريبًا وأنا أشكو من ألم حاد في جسمي لا أعرف سببه، بعض الأطباء يقولون إنه روماتيزم، والبعض يقول إنه نتيجة عملية الحالب التي أجريت لي، كل هذا يحدث والألم يزداد شيئًا فشيئًا، وبدأ النوم يطير من عيني، واحتار الأطباء في تشخيص هذا المرض، وأنا أحاول إخفاء آلامي عن الأصدقاء إلى أن استبد بي المرض ولم أستطع القيام من الفراش وبدأ وزني ينقص، وفقدت فعلًا حوالي 12 كيلو جرامًا، ولقد رغبت عن الاكل حتى الحقن المسكنة التي كنت أُحْقَن بها لتخفيف الألم بدأ جسمى يأخذ عليها وأصبحت لا تؤثر فيّ، وبدأ الأهل والأصدقاء يشعرونني بآلامي وضعفى، وأنا اشعر وكأني أذوب كالشمعة”.

ولقد تنبأ فوزي بقرب موته في رسالته، كما أبدى رضاه عن دوره تجاه بلده، فيقول:”إن الموت علينا حق، إذا لم نمت اليوم سنموت غدًا، وأحمد الله أنني مؤمن بربي، فلا أخاف الموت الذي قد يريحني من هذه الآلام التي أعانيها، فقد أديت واجبي نحو بلدي، وكنت أتمنى أن أؤدي الكثير، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة، والأعمار بيد الله، لن يطيبها الطب ولكني لجأت إلى العلاج حتى لا أكون مقصرًا في حق نفسي وفي حق مستقبل أولادي الذين لا يزالون يطلبون العلم في القاهرة، تحياتي إلى كل إنسان أحبني ورفع يده إلى السما من أجلي.. تحياتي لكل طفل أسعدته ألحاني.. تحياتي لبلدي.. أخيرًا تحياتي لأولادي وأسرتي”.

واختتم الرسالة: “لا أريد أن أُدفن اليوم، أريد أن تكون جنازتي غدًا الساعة ١١ صباحًا من ميدان التحرير، فأنا أريد أن أُدفن يوم الجمعة”.

لكن الموت لم يمهله وقتًا آخر ليتوفى في اليوم نفسه الذي كتب فيه رسالته، وهو يوم الخميس الموافق ٢٠ أكتوبر١٩٦٦، عن عمر يناهز ٤٨عام

وهكذا رحل عن عالمنا المبدع المجدد المحب لوطنه فنان عاش خفيف الظل دمث الخلق صاحب انجازات فنية تاركًا ورائه ثروة فنية من ألحانه وإنتاجه وتجديده في الأغنية المصرية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.