وباء

بقلم : أروى علي

 

الوباء خطر محدق يهدد البشرية بلا شك، فهو مصدر رعب لسكان الكوكب خوفا من الإصابة به، الوباء مصطلح طبي يصف المرض سريع الانتشار الذي يلزمه إجراءات وقائية معينة، فنجد من يستهين به ولا يأخذ الأمر على محمل الجد، ونجد من يبالغ في أمره ويصاب برعب من التعامل مع البشر ومع كل شيء، لكن كلتا الحالتين غير نافعة، حيث أن أهم أساليب التعامل مع الوباء تكمن في إدراك الوضع والتعامل معه حسب قدرة كما ينبغي بدون تهاون أو مبالغة .

مع التطور الطبيعي للحياة تتطور أنواع الأوبئة بالتتابع إلى الأسوأ، لكن ما سيلفت انتباهك أن الأمر لا يقتصر على الوباء المرضي مثل الحادث الآن مع وباء كرونا المستجد، فثمة أنواع عديدة من الأوبئة ،منها أخلاقي و لفظي إلى معلوماتي تكنولوجي …إلخ، قد أقر مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، في مؤتمر الأمن في ميونيخ في منتصف فبراير (شباط) الماضي، “نحن لا نحارب وباءً صحياً فقط، نحن في حرب مع وباء معلوماتي كذلك”. ظهر في أوضح أشكاله مع ظهور وباء كورونا المستجد، وهو يصنف أول وباء معلوماتي إلكتروني من خلال وسائل التواصل الاجتماعي حيث أن الأوبئة المعلوماتية كانت موجودة من قبل بين البشر لكن في نطاق ضيق ولم تكن بهذه الضخامة والسرعة نظرًا لضعف وقلة وسائل الاتصال بين البشر فى العقود السابقة، وبما أن الآن العالم أصبح قرية صغيرة بفضل وسائل الاتصال الحديثة وأصبح هناك الكثير من الناس يملكون منصات يمكنهم من خلالها نشر مايريدون بدون أي ضابط أو تحري لدقة المعلومات، علينا تحمل عواقب هذا القرب بشكل أو بآخر.

 

في هذه الأزمة برزت أخطر أضرار وسائل التواصل الاجتماعي وهي نشر الشائعات بسرعة البرق،مما أدى إلى وقوع الناس في حيرة بين ما عليهم تصديقه وعدم تصديقه، تاهت الحقيقة وسط هذه الجلبة المعلوماتية، وحرفت المعلومات السليمة وزودت بالأكاذيب والاختلاقات، وأدى هذا إلى ضرر بشري منه استهلاك اقتصادي لمنتجات من غير داعي زعما بأهميتها في الوقاية.

 

وكان من أبرز الشائعات المضللة للمواطنين والتي تثير السخرية في آن واحد أن هذا الوباء من تابعات حرب الجيل الخامس، والتي نقلته بين البشر عن طريق إضعاف المناعة وامتصاص الأكسجين من الرئتين، وهو ما ينافي العلم تماما، والأغرب من كل هذا هو تصديق البعض لهذه الخزعبلات.

وانتشر تصريح أن الأطفال لا يصابون بالوباء وهو ما قد يعرض حياتهم للخطر بسبب الإهمال فى حمايتهم ،حيث إنهم أقل عرضة لكن ليسوا مستبعدين من الحماية الصحية المتبعة مع الكبار. ومن الشائعات المتداولة إيجاد علاج لوباء كورونا المستجد بالفعل وهو ما ينافي العقل والمنطق بكل المقاييس، فمثل هذه العقاقير تستغرق شهور عديدة فقط للتعرف على الفيروس لتحضير عقار مضاد له والمرور بكل مراخل التجارب والاعتماد.

أما عن حقيقة تخليق الفيروس في مختبرات صينية أو أنه جزء من حرب اقتصادية بين أمريكا والصين كسلاح بيولوجي، بالرغم من تصريحات منظمة الصحة العالمية بفساد هذه النظرية نظرا لاستحالة صنعه معمليا، لكن هذه الحقيقة تاهت وسط جموع التحليلات الزائفة.

ونجد على وسائل التواصل أن الثوم يحمي من فيروس كورونا بلا أي أساس علمي لكن يلاقي رواجا بين الناس إتباعا للعلاجات الطبيعية التي لا تجدي نفعا مع مثل هذه الأنواع من الفيروسات.

في نهاية الأمر على الرغم من كل هذه العيوب لوسائل التواصل الاجتماعي إلا أن لها فائدة لا يمكن انكارها ،حيث أنها تحتوي الحقيقة، وهو أمر يتعلق فقط بدقة الباحث وإمكانية تصديقه للمحتوى المطروح والقدر الذى يملكه من العقلية النقدية التى تستطيع أن تحلل مايصل إليها من معلومات وتقييمها،فوسائل التواصل الاجتماعي تساهم الآن في التوعية بشكل كبير عن أعراض الفيروس، وطرق الوقاية ، وغيره من الاجراءات المتبعة في الدول الأخرى.

هل الجهل وعدم التحقق من المعلومات هو السبب الوحيد للوباء المعلوماتي؟

لا أظن، للحكومات دور كبير في وصول الشعوب لهذه الحالة من التشتت بسبب عدم الشفافية الكافية في إعلان أحدث التطورات، وهو ما يدفع البعض للتكهن محاولة لطمئنة نفسه وغيره أو لفت الانتباه إلى أزمة من صنع خياله، وهو ما يزيد الأمر سوءًا بالتأكيد .

دعوة من العقل للعقل بالتوعية بأخطار الوباء المعلوماتي ، دعوة للتحقق من المعلومات ومصدرها قبل نشرها للغير، دعوة للمحافظة على الحقيقة دون تحريف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.